سيف الدين الآمدي

41

أبكار الأفكار في أصول الدين

ويقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية « لم يكن أحد في وقته أكثر تبحرا في العلوم الكلامية ، والفلسفية منه ، وكان من أحسنهم إسلاما ، وأمثلهم اعتقادا » « 1 » ولكنهم مع ذلك حاولوا النيل منه من جانب آخر ؛ ووجهوا إليه الكثير من التهم . مما سبق يتضح لنا المكانة العلمية المرموقة التي بلغها الإمام الآمدي . والتي اعترف بها معاصروه من أصدقائه ، وخصومه على حد سواء . وأقول : لقد كان الإمام الآمدي - رحمه الله - فقيها ، محدثا ، وقد بلغ مكانة مرموقة في كلا الفنين ؛ فقد كان مدرسا للفقه في أكبر مدرسة في العالم الإسلامي ، كما كان محدثا ؛ ولكنه لم يترك مؤلفات فيهما كما سبق . ثم اشتغل بالخلاف والجدل ، وصنف فيهما سبعة كتب ، ثم بأصول الفقه الّذي صنف فيه أربعة كتب ، ثم ألف في المنطق ، والفلسفة ثمانية كتب ، ثم كانت مؤلفاته الكلامية التي بلغت الغاية . فهو اذن قد بدأ بالتقليد ، والحفظ شيمة الفقهاء والمحدثين في هذا العصر ، ثم عندما ارتقى تفكيره بحث في المسائل الخلافية ، واجتهد في بعض الأمور الجزئية . ثم عندما تثبتت أقدامه ، وأصبح أهلا لمرتبة أعلا اشتغل بالأصلين أصول الفقه الّذي يبحث في أصول المسائل الفرعية ، وقبل أن يتهجم على أصول العقيدة أعد نفسه بالتعمق في العلوم العقلية . وبعد أن تسلّح بكل هذه الأسلحة ، وتدرّع بكل تلك الدروع ؛ أصبح أهلا للبحث في المسائل الاعتقادية التي بلغت مؤلفاته فيها الغاية ؛ بل إن منها ما اعتبر بحق أهم مؤلف في أصول الدين : وهو كتاب ( أبكار الأفكار ) . فهو اذن لم يقف عند المرحلة الأولى كما وقف خصومه ؛ وإنما تعداها إلى مراحل أعلا تحتاج إلى مؤهلات خاصة كانت متوفرة لديه ، وأوصلته إلى المكانة المرموقة التي بلغها ، فقد وصفه معاصروه ، وتلاميذه ، والمنصفون من المؤرخين بصفات يتضح منها ذكاؤه المفرط ، وفصاحته ، وتواضعه الجم ، وحسن خلقه ، ورقة شمائله ، وحسن اعتقاده ، وسماحته حتى مع خصومه ، وقد أهله كل ذلك لإمامة عصره ، والعصور التالية .

--> ( 1 ) نقض المنطق لابن تيمية تحقيق - محمد عبد الرزاق وآخرين . طبع السنة المحمدية بالقاهرة - الطبعة الأولى سنة 1951 م .